أم البنات للكاتبة فاطمة الألفي قصة قصيرة

قصة قصيرة
“أم البنات”
الأم المناضلة في هذه الحياة؛ بعد وفاة زوجها وترك لها أربعة من البنات، جميهن بمقتبل العمر، كالورود المغمضة التي عصفت بهن الحياة بمهب الريح، تلك الأم الصبورة التي تحملت نظرات المجتمع الساخطة عليها والقانطة بما تفعله تلك السيدة الثلاثينية من العمر، فمازالت في ريعان الشباب وفقدت زوجها المُغترب أثر حادث سير مروع، فكان متغربًا من أجل لقمة العيش، من أجل حياة كريمة لبناته الأربعة تغرب من أجلهن لكي يأسس لهما مستقبلاً افضل ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن وعاد من غربته بصندوق خشبي، مُكفن عاد ليُدفن في بلدته التي تغرب عنها لاعوام، دفع ضريبة سفرة وإبتعاده عن عائلته من أجل المال وتوفير لهم المعيشة الكريمة ولكن شاءت الأقدار بأن يفرقهما القدر ويتوارى جسده التراب..
توفي وترك لها الكبرى عشرة أعوام والثانية في عمر الثامنة والثالثة تليها بعامين ام الصغرى أربعة أعوام

كانت الزوجة “عهد” تصطحب أطفالها يوم الجمعة من كل أسبوع لتذهب لزيارة قبر زوجها الراحل ويجلسون أمام قبرة تحكي له ما جرا بذلك الاسبوع، كانت تدوام على تلك الزيارة الاسبوعية، تجلس أمامه تحاكيه وتقص عليه ما يفعلون صغاره وكما أن الحمل أصبح ثقيلاً عليها واربعتهم في مراحل عمرية متقاربة وأت إليها الكثير لطلب الزواج منها ولكن هي عزفت عن الزواج وفضلت أن تعيش من أجل أطفالها فقط، فبعضهم طلبوا منها ترك صغارها وهي لن تتحمل البعد عنهما يومًا، ولن تفعل مثل السيدات الأرامل او المطلقات اللاتين يتزوجن ويتركن خلفهن صغارهن يُعانين من أجلهن، وتضيع الأطفال وتتشرد، هي لم تقبل بذلك.
بحثت عن عمل من أجل بناتها فهم ثمرات فؤادها ورأس مالها في الحياة.
ظلت تبحث عن عمل في فترة النهار عندما تكون صغارها في المدرسة ولكن لم تجد، ومعاش زوجها لم يكفي متطلبات الصغار، حاولت جاهدة بأن تبحث عن فرصة عمل تجعلها قريبة من أطفالها ولن تتركهن فترة طويلة، بالنهاية وجدت عاملة نظافة في روضة قريبة من منزلها، رغم راتبها الضئيل إلا أنها قبلت بذلك العمل، الذي أستمرت به لعدة سنوات ولكن متطلبات البنات في تزايد يومًا بعد يوم..

ذات ليلة ظلت ساهرة تفكر بأمر العمل اتتها فكرة وقررت أن تُنفذها، وهو طهي الطعام داخل بيتها وبدأت بالفعل في تنفيذه، ساعدتها مديرة الروضة في تسويق عملها والدعاية عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبدأ عملها الصغير أن يتطور واصبحت تطهي طعام العزائم ويجلبونها بالاسم في الاحتفالات بالأفراح أو أعياد الميلاد..
وتركت العمل بالروضة وتفرغت لطهي الطعام وتغليفه والذهاب إلى المنزل لتشرف على بوفية الخاص بالأفراح، وظلت بجانب بناتها لن تمل ولن تكل عن واجباتها كأم وأب معًا، كما أن بناتها من المتفوقات دراسيًا، ومرت الأعوام وهي على ذلك الحال.
مر عام يليه عام إلى أن كبرت ابنتها الكبرى وأصبحت في السنة النهائية من الطب البشري، والتي تليها تدرس الصيدليه والثالثة تدرس الهندسة، اما عن صغيرتها في الثانوية العامة.
وأصبحت عهد تبلغ من العمر الخامسة وأربعون ومازالت تعمل من أجل تزويج بناتها وفي يوم دعتها إحدى سيدات المجتمع الراقي لمنزلها لكي تتولى الإشراف على الطعام بنفسها فقد كانت خطبة ابنتها وتواصلت معها وذهبت “عهد”
في اليوم المُحدد باكرًا لتتولى المطبخ لتنهي كل شيء كُلفت به قبل الموعد..

بينما في ذلك الوقت كانت “ملك” تتزين لتذهب لخطبة صديقتها، وارتدت ثوبها الموف الذي انتقته والدتها على لذوقها ووضعت حجابها من نفس لون الثوب ووضعت القليل من مساحيق التجميل والقت نظرة أخيرة على مظهرها قبل أن تودع أشقاتها اللذين أبدو اعجابهم بمظهرها الرقيق الهادئ، ثم استقلت الأوبر لكي تصل إلى خطبة صديقتها وتشاركها تلك اللحظة السعيدة..

داخل حفل الخطبة..
توافد المدعوين بالحديقة المخصصة للحفل، والتي زُينت خصيصاً من أجل ذلك اليوم، كما تم تجهيز البوفية وانتهت “عهد” من صنع الطعام والحلوى.
طلبت منها والدة العروس أن تشرف على تقديم الطعام وحضور البوفية ووافقتها عهد الرأي وظلت متواجدة.

في تلك اللحظة تقدمت ملك من صديقتها تبارك لها خطبتها وهي تبتسم باشراقة من أجل سعادة صديقتها المقربة ” زينة”
ثم ابتعدت ملك عن الحضور فهي تبغض الضجيج وتفضل الهدوء، فضلت أن تقف تشاهد عن بعد،.
اقتحم شاب المكان وهو مرتدي حُلته السوداء، ذا طول فاره بجسد رياضي، يبدو عليه الهيبة والوقار رغم أنه شاب لم يتجاوز عمره الثلاثون.
صافح العروس واحتضن الشاب يبدو أنه صديق مقرب او إحدى أقاربه، وبعد أن بارك لهم ابتعد عن الحضور وأخرج هاتفه يجري اتصالا مبتعدًا عن الضجيج لكي يستطيع أن يتحدث.
وجد فتاة تشبك ذراعيها أعلى صدرها وتختلس النظر بين الحضور، كان مظهرها أنيق وملامح وجهها هادئة، أقترب منها بود يريد التحدث معها، فقد انجذب إليها وشغله فضوله بمعرفة تلك الفتاة، ولكن عندما تقدم بخطواته، انتفضت هي بذعر وتركت المكان، أبتسم بهدوء ولكن ظلت عيناه تتابعها طوال الحفل.

كانت عهد في ذلك الوقت تقف عند البوفية وتساعد المدعوين في انتقاء الطعام، وقف شاب خلفها وطلب منها أحضار مشروب
– من فضلك عاوز شمبانيا
نظرت له بضيق ثم هزت راسها نافية :
– خمرة أعوذ بالله، ثم أردفت قائلة بود:
– أنت شاب وزي الورد، حرام تهدر صحتك في شرب الخمرة، كدة بتغضب ربنا
انفعل الشاب وبدء في توبيخها والاستهزاء بها
ولم يكتفى بذلك أمسكها من رسغها يدفعها عنوة لكي تجلب له مطلبه
انتبه المدعوين بما يحدث من جلبة، وذهب الشاب أيضا ليحاول فض الخلاف
أما عن ملك فشلت الصدمة حواثها عندما رأت تلك السيدة فهي والدتها الحنونة وماذا يحدث لها على يد ذلك الشاب الاهوج عديم النخوة والمرؤة وهو يقف ويناطح والدتها، ركضت إليها مسرعة
كان الشاب يحاول الفض بينهما ووقف حاجزًا وقال بصوت حاد:
– ثائر فوق لنفسك وشوف أنت بتعمل أيه
دفعها “ثائر” بكل قوته كادت أن تسقط، التقفتها أحضان ابنتها، رأت الدموع متحجرة داخل مقلتي والدتها وهذا ما جعلها تفقد هدوءها وصرخت بكل من يقف ويشاهد الموقف :
– كلكم كدة واقفين تتفرجوا والبيه عديم الشرف والأخلاق بيهين ست في مقام والدته، هي دي الشهامة والمرؤة، أنت لازم تعتذر عن اللي عملته حالا
هتف بسخرية:
– أنتي مالك محموقة أوي ليه، دي حتة خدامة
لم تتمالك ملك نفسها ورفعت كفها لتخرسه بصفعة قوية وسط الحضور:
– أنت أنسان عديم الشرف والست اللي بتقول عليها خدامة دي بمليون راجل، والشغل مش عيب ولا حرام لكن هي مش خدامة هي شيف بتشتغل بعرقها ومجهودها وكافحت عشان تربى اربع بنات لوحدها، الست اللي كلكم شاهدين على تهزيئها من واحد قد بناتها، المفروض يحترمها، الست دي أمي وكانت أب وأم واترملت في عز شبابها، ورفضت تتزوج عشان كان عندها مسئولية أربع بنات لازم تربيهم وتعلمهم وتديهم الأولوية في حياتها، الست دي مثال للشرف والفخر، أنا فخورة بأمي، الست دي ربت بناتها على الأدب والاحترام والحمدلله أنا هتخرج واكون دكتورة ناجحة بفضل ربنا وأمي، وأختي هتتخرج من صيدليه واللي بعدها هندسة يعني الحمد لله مستوى تعليم عالي ونفخر بيها لحد ما نموت.
هتف الشاب وقال بلغة أمره:
– أعتذر يا ثائر
ابتلع ريقه بتوتر وهو يطالع شقيقه الأكبر حازم ثم بتر كلمته بضيق:
– أسف
نظرت ملك لوالدتها وعانقتها بحب ثم غادرو المكان سويا، تسأل حازم عن اسم الفتاة وعلم بأنها تدعى ملك، فقد انبهر بشخصيتها وعزة نفسها وأنها لم تقبل على والدتها الإهانة وجلبت لها حقها، كما أنها لن تخجل من عمل والدتها..

(عندما ضحيّت بالغالي والنفيس في سبيل سعادتكم، لم يكن ذلك عبثًا، فأنتم أعز وأجمل ما أملك في هذه الدنيا)
***
وعند عودتهم للمنزل، نظرت لها عهد قائلة بحرن:
– ماكنش ليه داعي تدخلي يا ملك وتتحرجي يا قلبي وسط أصحابك
شهقت ملك بصدمة وقالت بجدية:
– اتحرج من حضرتك يا ست الكل، ده أنتي تاج على راسي يا ماما، ياريت أنا وأخواتي نقدر نوفيكي حقك يا حبيبتي، الإحراج كان ليهم هم اللي واقفين يتفرجوا على المهزلة وساكتين، ما حدش عندة ذرة نخوة يرد، بصي يا ست الحبايب أنتي بعد كده تفضلي معززة مكرمة في بيتك ونجيب كذا حد ياخد الاوردر يوصله المكان المطلوب وبس، بلاش تتعاملي مع الناس إللي ما بتقدرش تعبك وشغلك، وياريت ترتاحي وأنا خلاص كلها كام شهر وهستلم التكليف وكمان مريم هتكون صيدلانية قد الدنيا وجي الوقت إللي نشيل عنك الحمل شوية يا ست الكل.
ابتسمت بسعادة وقالت:
– وأنا ما اقدرش أعيش كدة من غير شغل، ربنا يخليكم ليا لسه في تكملة المشوار، بعد التخرج في مرحلة تانية الزواج والتجهيزات وكل ده، ربنا يقدرني وأقوم بدوري على أكمل وجه واطمن عليكم يا رب..
***

مرت الأيام سريعًا وجاء يوم التخرج من كلية الطب وأقامة الجامعة حفلة تخرج وتكريم المتفوقين، التقى حازم بها ثانيًا وطوال تلك الفترة كان عقله لا يُفكر إلا بالفتاة المثالية التي لقنة شقيقه الأصغر درسًا لن ينساه، ظل متعلقًا بها، وعندما كانت منشغلة مع صديقاتها، أقترب حازم من والدتها وهمس باذنها بأنه يريد زيارتهم في منزلهم من أجل إعجابه بملك وأنه يود الإرتباط بها، شعرت “عهد” بالسعادة وحددت له موعد غدا.
شكرها حازم بامتنان وغادر الجامعة، فهو اتا اليوم ليشاهدها في حفل تخرجها، كما أنه اختارها ضمن الفريق الطبي الذي تم تعينه بالمشفى الخاصة بعائلته، فهو يملك مشفى عن والده الراحل وهو الذي يديره.
***
استعد حازم للموعد المحدد وانتقى باقة من الزهور البيضاء واستقل سيارته متوجهًا إلى وجهته المنشودة، وعندما وصلا إلى البناية التي تقطن بها ملك مع والدتها واشقائها، ترجل من سيارته وهو ممسك بباقة الزهور وصعد إلى حيث الطابق الثاني، ثم ضغط زر الجرس.
فتحت له عهد الباب واستقبلته بحفاوة ودعته للدخول، جلس بغرفة الصالون ثم ذهبت لتخبر ابنتها، التي عندما دلفت الصالون تفاجئت به.
وقف حازم يصافحها بلباقة ولكن خرج صوتها متوترًا وهي تخبره بأنه لن تصافح الرجال.
ابتسم لها وجلس بهدوء وزاده اعجابًا بادبها وأخلاقها وتربيتها، فتلك السيدة عهد نجحت في تربية بناتها وزرع الفضيله داخلهما.
جلست ملك والأم والفتيات الثلاثة بعدما تعرف حازم على جميعهن، وجه انظاره إلى والدتها ثم هتف بجدية:
– أنا حازم عبدالهادي، عندي 30سنه وماسك المستشفى بتاع والدي الله يرحمه، ورغم دراستي مش طب بس أنا مسئول عن الادراة ماعنديش غير اخ أصغر مني، وأنا هنا انهاردة عشان اطلب من حضرتك ايد بنتك ملك، أنا يسعدني ويشرفني اكون جزء من عيلتكم، لكن بموافقة حضرتك وموافقة ملك على الزواج مني، فهتكونو كل عيلتي وده شرف ليه.
نهضت ملك قائلة بغضب؛:
– وأنا مش موافقة
ثم تركت الغرفة وتوجهت إلى غرفتها.
نظرت له عهد بطيبة وهتفت بحنان:
– متزعلش من رد ملك، ملك بس زعلانة من اخوك الصغير وتقريبا ده سبب رفضها
هز راسه بتفهم وقال:
– مفهوم، بس أنا لازم أتكلم معاها وهحاول مش هستسلم، ثم نهض واقفًا يودعهم بأسي فقد كان يتمنى أن توافق به ولا تأخذه بذنب شقيقه فهو لن يقبل باهانة والدتها، قرر أستغلال تعينها كطبيب بمشفى والده وسوف يحاول التحدث معها ثانيًا..

حاولت والدتها إقناعها بأن حازم الشاب المناسب ولكن كانت ملك متمسكة برأيها، وفي اليوم التالي ذهبت لتتولى أمر عملها داخل إحدى المشفيات الخاصة وهي لا تعلم بأن تلك المشفى خاصة بوالد حازم..
نظرت للصرح الضخم باعجاب ودلفت وهي تردد إسم المشفى (مستشفى الرحمة)
صعدت أولا لمكتب مدير المشفى لكي تباشر عملها داخل المشفى، بعدما طرقت الباب وأذن لها بالدخول، دلفت بهدوء وهي تلقي التحية قائلة :
– السلام عليكم
رفع حازم أنظاره عن الأوراق ليرا ملك أمامه، نزع نظارته الطبيبة وردد مجيبها:
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أشار أليها بالجلوس:
– أتفضلي يا دكتورة
كانت مازالت على صدمتها بسبب وجوده بنفس المكان الذي تتولى العمل به، تنهدة بضيق وجلست أمامه على مضض:
– افندم
أبتسم بخفة ولم يعقب على ضيقها فوضع أوراق التعين أمامها وطلب منها التوقيع ثم الذهاب لمباشرة عملها.
ظلت ملك تحدجة بنظرات مبهمة، ودت لو رفضت قرار تعينها بذلك المشفى ولكن تراجعت فهذه فرصة لا تعوض كما أن تأخذ بأعين الإعتبار المرضى وليس مدير المشفى، وقعت أوراقها ونهضت واقفًا تستأذن الخروج، أوما براسه وغادرت مكتبه وعاد هو بظهره يغوص بمقعده الجلدي ويطلق لضحكته العنان..

****
حاول حازم جاهدًا التقرب من ملك وإثبات حُسن نيته في الإرتباط بها وأنه مازال متمسكًًا بها وبعد مرور شهرًا من أستلام عملها بالمشفى، قرر أن يتحدث معها ولذلك طلب استدعائها بمكتبه.
وبعد مرور عدة دقائق كانت ملك تطرق باب مكتبه وعندما أذن لها حازم بالدخول ، دلفت بخطوات واثقة
وقفت أمامه قائلة بجدية:
– حضرتك طلبتني؟
– أتفضلي أقعدي الأول يا دكتورة
جلست على مضض ونظرت له لتستمتع لحديثه الذي جعلها تفتح عيناها باتساع
عندما أخبرها حازم بأنه يجدد طلبه في الارتباط بها ويريد منها تفسيرًا واضحًا لرفضها
نهضت عن مقعدها لتغادر الغرفة ولكن استوقفها حازم بكلماته:
– ممكن أفهم يا دكتورة سبب تجاهلك ده ايه؟
رمقته بنظرة غاضبة وهتفت قائلة:
– في أن حضرتك مش واخد بالك من اللي أخوك عمله مع ماما، وده إذا يدل فيدل أن هو مش متربي ومافيش حد قادر يغلطة
نهض مسرعاً ودار حول المكتب ليصبح في مواجهته مباشرةً وقال بصوت حاد:
– ثائر طائش واعتذر وأنا وقتها وقفتله من قبل ما أعرف أنها والدتك، وبعدين ثائر فعلا مش متربي عشان مالقاش الأم اللي توجهه زي والدتك كده ، ماما متوفية من وقت ولادته وبابا مانجحش يكون لينا أب زي ما نجح في شغله وتأسيس المستشفى دي ، ثائر محتاج لين بس وأنا بحاول معاه ، ومش معني أن أخويا كده أنا كمان زيه ، أنا بحترم الست والدتك وبقدرها جدا وبحترمك وعشان كده مُصر على الارتباط منك ، اتمنى ما تتسرعيش في ردك ومتتظر منك ردك النهائي
شعرت بالخجل من نفسها عندما علمت بأن والدته متوفية ولذلك حُرم شقيقه من رعايتها واحتوائها لهما كما تفعل والدتها معها هي وشقيقتيها ، أومت برأسها وغادرت الغرفة هائمة على وجهها بسبب كلماتها الجارحة ورغم ذلك لم يبدو حازم انفعاله بما قالته .
أنهت يوم عملها الشاق داخل المشفى ثم أستقلت السيارة الأجرة لتقلها إلى منزلها وقررت أن تقص على والدتها ما حدث معها اليوم داخل المشفى وهي تثق بقرارات والدتها وسوف تعمل بنصائحها ..
***
بمكان أخر داخل الحرم الجامعي.
بعد أنتهاء أمتحاناتها اليوم ، فقد انتهت مريم أخيرا من السنه النهائية وعلى مشارف التخرج ولكن لا تريد أن تجلس بالمنزل فقررت أن تتحدث مع صديقتها المقربة ” جنا” أنها تريد أن تعمل مباشرة باحدي الصيدليات لكي تكتسب خبره ، وبدأت صديقتها في خطة البحث عن إيجاد وظيفة شاغرة بإحدى الصيدليات من أجل صديقتها مريم .
وودعتها مريم بعد ذلك ، وعندما عادت إلى المنزل وجدت والدتها تجلس مع شقيقتها وتحاول إقناعها بأن حازم الشاب المناسب لها ولن تتمنى شابًا أفضل منه لابنتها ، كما أنها تشعر بالراحة اتجاهه ويجب عليها أن تتخذ القرار المناسب وإذا كانت تشعر بالحيرة ، أخبرتها بأن تستخير الله عز وجل في صلاة الاستخارة لكي يهدي قلبها إلى الصواب .
جلست مريم هي الأخرى وقررت أن تفاتح والدتها برغبتها في العمل ، ابتسمت لها الأم ووافقتها الرأي فهي لم تسعى لتعليمهم لكي يجلسون جانبها بالمنزل وانما لكي يصبحون سيدات المجتمع ويكون لهن شأن عظيم.
قبلتها مريم بسعادة ثم دلفت لغرفتها لتجد شقيقتها “مرام” تقف أمام الحامل الخشبي وتثبت عليه اللوحة البيضاء وتضع المسطرة وتمسك بالقلم وتضع خطوط عريضة لمشروع هندسي خاص بجامعتها ومصوبه انتظارها عليه
هتفت مريم بمرح:
– الله ينور يا هندسه
رمقتها مرام بغضب وعادت تتابع باهتمام العمل على مشروعها ، بينما هتفت مريم بضحكة مجلجلة وهي تخبرها بتعالي:
– بلاش النظرة دي يا هندسة، يا بنتي ده أنتي بكرة مش هتعرفي تقعدي معايا ،هتكوني محتاجه تاخدي ميعاد سابق قبل ما اتكرم واتنازل واتكلم معاكي
عادت تنظر لها بسخرية ثم هتفت قائلة:
– ليه جناب السفيرة عزيزة وأنا مش واخده بالي
اجابتها وهي ترتمي على فراشها ثم وضعت ساق على الآخرى وأخرجت تنهيدة عميقة وقالت:
– بكرة يكون عندي سلسلة صيدليات الدكتورة “مريم الشامي” ومش هيكون عندي وقت عشان عمالة اتابع من صيدلية لصيدلية
ضحكت مرام على أحلام شقيقتها ثم هتفت ساخرة:
– أحلمي أحلمي ما هي الأحلام ببلاش
نظرت لها بثقة وقالت:
– ومسير الحلم يتحقق يا باشمهندسة
ثم أغمضت عيناها وهي تبتسم على أحلامها التي تتمنى تحقيقها بيوم من الأيام ، بينما شقيقتها أكملت العمل على مشروعها ..
وبالغرفة الأخرى ابدلت “ملك” ثيابها وظلت شاردة تفكر بحديث حازم وحديث والدتها وقبل أن تذهب إلى فراشها قررت أن تتوضى لتصلي فريضة العشاء ثم تتبعها بركعتين لصلاة الاستخارة وقبل أن تختم صلاتها دعت بدعاء الاستخارة ثم استقامت واقفة وتوجهت إلى فراشها لتنام قريرة العينين لعل الله يلهمها بالرأي الصائب في قرار مصيري كهذا …
***
قبل إنتهاء الأسبوع أخبرت ملك موافقتها لوالدتها التي هاتفة هي حازم بدورها وأخبرته بأنها تنتظره في منزلها مساءاً لقراءة الفاتحة، لم يصدق حازم أذنيه ذلك الخبر الذي كان ينتظره بشوق ، وبالفعل في المساء اصطحب شقيقه الأصغر معه وتوجهوا إلى منزل السيدة “عهد” التي سعدت برؤيتهم وقدم ثائر أعتذاره لها التي قبلته عهد بقلب رحيم فهي لم تحمل بقلبها ذرة بغضاء لأحد وتم قراءة الفاتحة بجو أُسري والفرحة والسرور عمت الجميع، وبعد مرور شهراً واحداً تم الزفاف وانتقلت ملك إلى عش الزوجية برفقة زوجها حازم .
واستلمت “مريم ” عملها بإحدى الصيدليات المعروفة في البلد وأعجب الطبيب المسئول عن إدارة الصيدلية بها ونمى بينهما الإعجاب وبعد فترة من الزمن تمت خطبتهم واتفقًا على الزواج بعد مرور عام من الآن …
وظلت”عهد” منكبة على عملها لكي تزوج الآخرى وتكمل مشوارها مع بناتها، وصلت لعمر الخامسون وأصبحت الآن جدة ، فانجبت “ملك” طفل جميل أسمته “مالك” وكانت تتركه في رعاية والدتها أثناء انشغالها بعملها بالمشفى فأصبحت طبيبة جراحة مشهورة ذات أسم وسمعة وكل ذلك يعود إلى والدتها الحبيبة ..

“بيوم حفل زفاف مريم “
كانت” عهد” تبكي فراق زوجها ، فقد رحل عن عالمها مبكرًا لم يفرح ببناته ورؤيتهم بثوب زفافهم ، ولم يضع يده بيد ازواجهم ، كانت تتمنى أن يكون حاضراً معها ويشاركها تلك اللحظة التي لا تُنسى ولكن هذه أرادة الله.
بينما على جانب آخر من الزفاف وقف “ثائر” خلف “مرام” وهتف قائلا بمشاكسة:
– ما تيجي نعملها ونتجوز أحنا كمان
دارت وجهها تتطلع له من رأسه لاخمض قدمه باشمئزاز ثم رفعت سبابتها وتشير إليه قائلة:
– أنا اتجوزك أنت يا فاشل
-حيلك حيلك ده أنا قولت اكسب فيكي ثواب بدل ما أنتي قاعدة مش حد معبرك
فرغت فاها بدهشة وهمت بتوبيخه ولكن اخرسها وهو يضع كفه على فمها لكي تكف عن سبها وقال وعيناه تشتعل بغيظ:
– بس ولا كلمة ، عيب تعلي صوتك على زوجك المستقبلي يا عروسة، أنا هروح افاتح والدتك دلوقتي في الموضوع ، أنا مش عارف باخد رأيك ليه اصلا ، أنتي مالكيش راي يا ماما
ثم تركها تتطلع له بصدمة أما هو فعلت الإبتسامة ثغره وسار بخطوات واثقة يقترب من والدتها وجلس بجوارها يمزح معها ويتبادلون الحديث ثم عاد يرمق مرام بنظراته ودنا من أذن عهد يخبرها بأنه يريد أن يتزوج من ابنتها الثالثة “مرام” وهي موافقة ويريد اعلان خطبتهما اليوم بزفاف مريم
ابتسمت عهد بسعادة وبالفعل أمسكت الميكروفون تبارك زواج ابنتها ثم أشارت لمرام لتاتي إليها ووقف ثائر بالجانب الآخر واخبرتهم بخطبة “مرام وثائر” وطلبت من الحضور قراءة الفاتحة تحت نظرات مرام الغاضبة من ثائر وبعد قليل أخرج ثائر خاتم الخطبة والبسها إياه وسط الزغاريد والتقطت العديد من الصور بجميع أفراد العائلة مع العروسان وأصبحت الفرحة فرحتين .

وظلت المشاكسة قائمة بين ذلك الثنائي المجنون ، ولم يسلم الجميع من مشجارتهم الدائمة ، وظلوا هكذا حتى بعدما رزقهم الله بقطعة مصغرة تحمل ملامحهما سوا فتاة جميلة شقية اسمتها والدتها “وهج” لأنها كانت الوهج الذي يشعل حبهما فرغم مشاكستها الدائمة مع زوجها الأرعن إلا أنها تُحبه وتظل على النقيض معه ،علاقة شد وجذب ، علاقة جنونية لا يفهمها سواهما..
***
ذات يوم كان حازم يتابع عملة بالمشفى وإذا بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، شد انتباه خبر بمجلة مشهورة ، تعلن وزارة التضامن الاجتماعي عن عمل حفل تكريم الأم المثالية وتم فتح باب تقديم الطلبات الخاصة بالامهات الفضلويات .
فقرر حازم أن يرسل لهما قصة كفاح ونضال والدة زوجته الأرملة الحسناء التي توفي زوجها وتركها في ريعان الشباب وفي حجرها أربعة من الفتيات، عكفت عليهن طوال عمرها ، إلى أن أصبحن بمراكز مرموقة منهن الطبيبة الجراحة والصيدلانية الماهرة والمهندسة الناجحة وباحثة في علوم الذرة، وزوجتهن بشباب مرموق أيضا ، فهي السيدة التي تستحق لقب الأم المثالية لهذا العام وبدأ في أرسال بياناتها وقصة كفاحها ..
في غضون أيام أتاه اتصالاً هاتفيا يخبره بموافقة وزارة التضامن الاجتماعي في منحها لقب الأم المثالية،وسوف يتم تكريمها من قبل وزارة التضامن الاجتماعي وسيدة مصر زوجة الرئيس”عبدالفتاح السيسي”
وستُقام الحفل اليوم الحادي والعشرون من شهر مارس الجاري..
****
يوم حفل التكريم ..
التفت الفتيات حول والدتهن بعدما ألقت المذيعة الشابة كلمتها قبل أن تصعد “عهد” على خشبة المسرح وتستلم جائزتها وهي شهادة تكريم من الدولة، وأوارق العمرة للذهاب إلى الأراضي المقدسة لأداء مناسك العمرة.
هتفت المذيعة قائلة بصوت جلي يصدح رنينه داخل القاعة:
– يشهد اليوم أحتفالا ضخمًا بتكريم أمهاتنا الفضلويات، رمز الكفاح والمثابرة، رمز العطاء والتضحية ،رموز مشرفة نفخر بها، الأم التي تستحق كل الفخر والاعتزاز ، سيدة من سيدات مصر البسطاء ولكن أكملت مسيرتها في التضحية بسعادتها وراحتها من أجل سعادة أبناءها ، فهي السيدة الأرملة التي توفى عنها زوجها وهي في مقتبل عمرها، وخرجت للعمل بذلك المجتمع التي واجهة به الكثير من الصعاب ولكن لم تكترث لمن حولها بلا أكملت طريقها في صمود وكفاح، أخرجت لنا نماذخ وكوادر نفتخر بها ، منهما الطبيبة الجراحة وطبيبة الصيدله، والمهندسة والباحثة العلمية، نموذج مشرف لمجتمعنا المصري، اليوم نُكرم الأم الفاضلة والعظيمة “عهد الهادي” التي يلقبونها بأم البنات..
تبسمت عهد بطيبة وصعدت على المسرح تصافح السيدة الوزيرة “نيفين رياض القباج” والسيدة “انتصار” زوجة الرئيس عبدالفتاح السيسي، التي سلمتها شهادتها ووقفت بجوارهن لتلتقط لهن العديد من الصور
ثم أمسكت عهد الميكرفون لتلقي كلمتها البسيطة وهي سعيدة بذلك التكريم وسط بناتها وابنائها فهي تعامل ازواج بناتها كأنهم ابنائها.
– أنا الحمد لله بشكر ربنا أن وصلت بناتي لبر الأمان، وبشكر بناتي لولا وجودهم ماكنتش موجودة ، هم ثمرة نجاحي في الدنيا والآخرة، ومبسوطة جدا مش بسبب التكريم لا فرحتي الأكبر بوجود بناتي وأحفادي حواليه والحمد لله أديت رسالتي على أكمل وجه..
صعدت الفتيات وازواجهن والتفُ حولها لتلتقط عدسة الكاميرا مشهدًا من أعظم المشاهد التي تراها عيونكم كأنها لوحة فنية يجب أن تُدرس..

الأم كلمة صغيرة وحروفها قليلة لكنّها تحتوي على أكبر معاني الحب والعطاء والحنان والتضحية وهي أنهار لا تنضب ولا تجف ولا تتعب متدفقة دائماً بالكثير من العطف الذي لا ينتهي وهي الصدر الحنون الذي تلقي عليه رأسك وتشكو إليه همومك ومتاعبك
الأم هي ذاك البدر المنير الذي يضيء لنا السماء ونستمد من ضيائه أمل الحياة، فالأم لؤلؤة مصونة تتلألأ يوماً بعد يوم، وتضيء أعماق البحار.
الأم هي النور الذي لا ينطفأ، وهي الشمعة التي تحرق نفسها في سبيل سعادتنا وراحتنا، دمت يا أمي لنا طول العمر، ولن ننسى أبدًا تضحياتك وسهرك معنا طوال الأيام والسنين.
هي من تظهر كنورٍ مضيء في الظلمات لترشدنا إلى طريق صحيح، وتسهر كالقمر إن أصابنا مكروه أو علة في ليالي الألم، وتكون كالمقص الذي يقطع أشواك الجرح والأذى من ربيع العمر.
***

تمت بحمد الله
#أم البنات
بقلم /فاطمة الألفي

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ