

لكنه مختلف
صلى علي خير الورى.
وجوه ملائكية تحبك دون أن تعرفك، تتودد إليك ولا تطلب منك سوى المحبة والاهتمام، قلوب رضت بما قسمه الله لهم، ولدوا مختلفين قادرين على التعايش مع من حولهم، لايعرفون المستحيل، ولا يضلون طريقهم أبدا، دائما يسعون إلى تحقيق أهدافهم مهما واجهوه من صعاب، يواجه العديد منهم التنمر والرفض من بعض المحيطين بهم، لكنهم دائما ما يردون على ذلك بالمحبة.
سحُب الخريف الداكنة تملاء السماء، تتلاحم سرعان ما تتجمع متاهبة لإنزال المطر، تتراجع في اخر لحظة تنسحب تفترق من جديد، الظلام يطاردها و يحاصرها قبل أن تبتلعها السماء.
كانت تقف سلمي في شرفة منزلها كانت تدثر كتفيها بوشاح من خامة الصوف و تنظر إلي السماء و نسائم الهواء النقية تلهف وجنتيها، تنهدت تلك التنهيدة الحارة التي هي جزء من قلبها، شعرت بمن يكبلها و يدخلها داخل أحضانه لم تحتاج لكثير حتي تتعرف علي من قام بضمها لقد شعرت بانفاسه الساخنة فوق رقبتها، أنه شادي زوجها الحبيب، رفيق طفولتها و حبيب مراهقتها و صديق دربها، لقد تزوجت من شادي منذ ستة أشهر فقط، يوم زفافها كان اسعد أيامها، كان شادي جارهم القاطن بالشقة التي تعلوهم.. كانت العائلتين اصدقاء جميعهم .. كانت شقيقة شادي صديقة ل سلمي و شقيق سلمي صديق ل شادي كذالك الوالدين اصدقاء، وقعت سلمي في حب شادي منذ الطفولة و هو أيضا احبها، بعد تخرج شادي من كلية الهندسة المعمارية استطاع أن يجد عمل و تقدم لخطبة سلمي، مرت الايام الي أن تزوجو و ها هي تقف بين أحضانه في شرفة منزلهم، اقترب شادي من أذن سلمي وقال بصوته الاجش: خدتي القرار يا سلمي ؟!
اقشعر جسدها و شعرت أنه قد سكب ماء مثلج فوق جسدها و استحال جسدها جلد اوزة ابتلعت غصة مرارة و التفتت له ببطئ و جلست فوق اقرب مقعد لها و قالت بتقطع: أيوة، انت قولت القرار قراري صح اي كان أيه هو؟!
اقترب منها و جلس بالمقعد المقابل لها و قال بحزم: أيوة اي القرار ؟!
قالت بتوجس : قررت اخلي البيبي .
طالعها شادي بهدوء يحمل بين طياته الكثير من الغضب و من ثم ترك مجلسه بل و المنزل بأكمله و ذهب إلي الخارج
منذ تلك اللحظة و حياتهم لم تصبح كسابق عهدها، اطرفت عينيها عدة مرات حتى اتضحت الرؤيه امامها سرعان ما تذكرت انها كانت بداخل غرفة العمليات و كل ما حدث كان ذكرياتها فقط، حمحمت منظفة حلقها و قالت بوهن حينما أبصرت والدتها تجلس و بجوارها ياسمين شقيقة زوجها و صديقتها الوحيدة : ماما.. ابني فين ؟!
نطقت والدتها بقلق اموي: عند دكتور الاطفال يا حببتي، انتي عاملة اي حاسة بحاجة، طمنيني عليكي ؟!
نظرت لها سلمي بوهن وقالت: انا كويسة بس عاوزة اطمن علي ابني، ماما هو شادي فين.
أخبرتها والدتها أنه بالاسفل مع والدها يقومون ببعض الإجراءات الروتينية، استسلمت سلمي للنوم بسبب ارهاقها البادي عليها، بعد عدة ساعات استيقظت مرة أخري حينها أبصرت زوجها الذي ما أن رائها استيقظت ذهب إليها و قام بتقبيل رائسها و حمد ربه علي سلامتها، سالته هي هل اذا كان قد رائي وليدهم ام لا ؟! نكس رائسه بحزن مخبراً اياها ب لا.. لم تعقب بعدها بل وجهة نظرها لوالدها الذي كان يراقبهم بهدوء و طلبت منه أن يحضر لها طفلها الرضيع لتراه.
منذ خمس ثواني و هو بين أيديها لا ترمش لا تبعد نظرها عنه لقد أسرها، كان مجيئه حنونًا بشكل مفرط وكأنه يعتذر لها نيابة عن ما ذاقته التسع اشهر حملها به لقد عانت الأمرين بسبب رفض الجميع لحتفاظها به لقد كان الجميع ضدها زوجها و والديها الجميع، جميعهم كانو يريدون منها التخلص منه لسبب ليس بيدها و بيده، أنها حكمة رب العباد، لقد أراد الله أن يهديها هدية لقد رزقها الله بطفل مصاب ب متلازمة داون، منذ معرفتها بذالك في أول حملها و قد بداء الجميع ب فرض رائيهم أن تتخلص منه حتي زوجها الذي من المفترض سندها كان أول خذلان لها، تمسكت هي بجنينها
رفضت التخلص منه، عجبًا و كيف ترفض هدية من رب العباد، أيقنت أنها بين مجتمع احمق لا يعرف أن الأشخاص الذين يعانون من متلازمة داون، هم أشخاص مثلنا تمامًا و ايضا العديد منهم اضبحو عضو فعال في المجتمع فهم يمتلكون العطاء الدائم و القلب الطيب.
فاقت من شرودها ثم حركت اخيرا نظرها عنه ثم نظرت لزوجها و قالت إنها قد قررت أن تسميه أسر، لم تلتفت لتلك الهمسات التي تحدث بل وجهة نظرها ل ذالك الذي أسرها من اللحظة الأولي، كانت ملامح وجهه مميزة، الأذنين الصغيرتين، العينين المائلتين والفم الصغير، كافين صغيرين بين يديها، ابتسم بطفولة خطفت قلبها، اطرف عينيه عدة مرات بسبب الضوء، أبصرت سلمي عينيه المميزة التي اخذتها بعيدا عن العالم بأكمله لقد كانت عينيه زرقاء تشبه موجات البحر الذي غرقت به ومن هنا نقول إنه سوف تنشاء قصة حب جديدة قصة مختلفة هي بين جنسين مختلفين بين ذكر وانثي ولكن مع اختلاف القرابة قصة حب نشأت بين ام ووليدها و ها قد برد قلبها برؤية قرير عينها و لكن صدمت من شدة حبها و تعلقها به الذي لا يدل أن هذا اول لقاء .
العام السادس الذي مر عليهم، ستة أعوام مرات بين شد و جذب حياتها لم تكن مستقرة، هجرها زوجها عندما كان عمر أسر اربع سنوات، ثلاث سنوات مرات كان تحاول أقصي جدها أن تحمل مرة أخري حتي تراضي زوجها لكن أمر الله نافذ، عامان مرو دون أن ترى زوجها الحبيب كان يرسل لهم أموال تكفيهم مع شقيقته، اكتفت سلمي ب وجود أسر بحياتها و كرست حياتها له فقط.
استطاعت أن توجه مؤهلاته و مؤشراته للطريقة الصحيحة، استطاعت أن تجعل منه نموذج مشرف فقد أصبح اليوم اكبر جراح في مجاله رغم صغر، سنه ٢٦ عام استطاعت سلمي أن تجعل منه نموذج يفتخر به، ولكن كان هناك الم يعتصر فؤادها فقد كان شادي حب حياتها كيف و بهذه الطريقة يتخلي عنها منذ أن تركهم اخر مرة لم تراه مرة أخري، لا يعلم شئ عن ولده لا يعلم شكله ولا حتي ماذا يعمل، تزوج شادي و انجب فتاتين لم يفلح في أن يتمكن من كبت جشع زوجته فقد تمكنت من أخذ كل ما تستطيع من مال و تركته وحيد، بعدما فشل بجعل فتياته يتقربون منه و للعجب لم يعلم الي الان أن فتياته أصبحوا علي ما هم عليه بفضل أسر و سلمي، فقد أتت ياسمين في مرة من المرات برفقة الفتاة البكر لمنزل سلمي و تعرفت علي أسر و سلمي و احبتهم و اصبحت تزورهم كثيرا و تعلقت كثيرا بشقيقها و من بعدها شقيقتها الصغيرة .
في طرقات المشفي التي يعمل بها أسر كان يمشي بهدوء و ابتسامة مشرقة الي أن آتي إليه ممرض أخبره أن المريض الذي أجري له عملية في القلب أمس و كانت حالته حرجة آفاق، تنهد أسر قليلا قبل أن يهاتف والدته التي كانت تجلس في منزلها بجوارها، ريم و روان شقيقتيه
قال أسر بكل هدوء و حزن: اطمني يا امي و طمني البنات خلاص فاق .
اغلق المكالمة و ذهب بتجاه الغرفة التي يقبع بها شادي، أجل من قام بإجراء العملية له كان أسر و للعجب لم يتعرف شادي عليه بل عرفه أسر علي الفور، نظر له أسر بابتسامته المشرقة و سأله عن إذا كان يشعر بتعب أو اي شئ و قام بعمله الروتيني، رفع نظره له فقال له شادي بهدوء و استغراب : هو ممكن اسالك علي حاجة ؟!
ابتسم أسر و قال بعتيادية: أيوة انا مريض متلازمة داون.
نظر له شادي و من ثم تذكر أسر و سلمي و من ثم ابتسم و قال له أنه له ولد لم يره منذ كان عمره عامين علي ما يعتقد و كم هو نادم علي تلك السنوات و كم يشعر بالمرارة بشأن أنه لا يعلم حتي إذا كان ابنه علي قيد الحياة ام لا، كان يبكي و هو يخبره أن زوجته بعد أن أخذت كل ماله مما ادي لافلاسه تزوجت صديقه أيضا، كان يقص له أنه لا يعلم عمر ابنتيه، قضي عمره في جمع الأموال و بالاخير سلبت منه و خسر كل شئ، بعد أن انتهي أخبره أسر أن كل شئ سيكون علي ما يرام و كان في طريقه ليكمل عمله، لكنه التفت له و قال بحزن: انت مشوفتش ابنك من و هو اربع سنين و دلوقتي عنده ٢٦ سنة، نسيت اعرفك بنفسي، انا دكتور اسر شادي اصغر جراح مصاب بمتلازمة داون .
الصدمة لجمته جعلته لا يستطيع التحدث تركه أسر و ذهب لوالدته و شقيقتيه ليكم حياته بالكثير من الإنجازات .
لا أحد منا يملك القدرة على تغيير نسله أو تغيير خلق الله، فقدرة الله أعظم من كل شيء، فالأشخاص الذين ابتلاهم الله بمتلازمة داون لم يكن القرار بيدهم حينما ولدوا هكذا فالله منحهم صفات رائعة جداً بدلاً من العقل الذي أخذه منهم و ايضا يجب علينا الإهتمام بالأشخاص المصابين بمتلازمة داون وتشجيعهم وتحفيزهم على التعلم والإبداع، فهم لهم دور كبير في المجتمع فنحن من نعطيهم الحافز القوي والأمل المشرق .
تمت بحمد الله تعالى
أضف تعليق