إنما سُكرتْ أبصارنا للكاتبة سماح نجيب قصة قصيرة

” إنما سُكرتْ أبصارنا “

كثيراً ما يستهان بذنب عظيم ، ظناً أن ما يحدث ماهو إلا شئ إعتاد عليه الكثير ، حتى باتت الغفلة ساكنة بأرواح البشر ، وأغلقت الأعين عن رؤية أهوال و نتائج تلك الذنوب

صوت سيارة الإسعاف العالى المترافق مع ذلك الضوء الأحمر على سطح السيارة ، جعل ذلك الجمع الغفير المجتمع أمام ذلك المنزل ، يفسح الطريق لها ، حتى وقفت أمام المنزل ، فترجل منها عدة رجال يهرولون مسرعين للوصول للداخل ، لرؤية ذلك الزوج وزوجته اللذان تم إبلاغهما أنهما صرعى بشقتهما

وصلوا الرجال لتلك الشقة التى أنفتح بابها على مصراعيه ، يحتشد جمع من الناس بداخل الصالة ،بجوار رجل وإمرأة غارقان بدماءهما ، فشق عليهم الدخول وسط ذلك الحشد

فصاح رجل منهم يبدو عليه أنه طبيب :
–إبعدوا لو سمحتوا يلا برا

كأنه يخاطب تماثيل حجرية ، فلم يتحرك أحد من مكانه ، بل ظلوا واقفين يشاهدون ما يحدث ، بل لم يكتفى البعض بالمشاهدة ، بل سارعوا بإخراج هواتفهم لتسجيل تلك الواقعة بالصوت والصورة ، كتوثيق لإحدى الجرائم التى ستتناقل عبر مواقع التواصل الإجتماعي ، ويبرع كل منهم فى إحداث ضجة وخلاف على ذلك الحادث الذى لم تتضح جوانبه حتى الآن

نفذ صبر الطبيب ،فبدأ بدفع الواقفين لعلهم يتراجعوا للخلف ، فأمتن لقدوم الشرطة أيضاً التى ساهمت فى فض ذلك الجمع بحزم وشدة

تقدم الطبيب من المرأة أولاً فوجدها ما زالت على قيد الحياة ، فأقترب من الرجل يتفحصه هو الآخر ،فوجده قد أسلمت روحه لباريها ، فأمر رجال الشرطة ، بحمل جثمان الرجل ،وأن تذهب المرأة للمشفى لإسعافها وتلقيها العلاج اللازم ، فربما تتماثل للشفاء ويعلموا كيف حدث كل ذلك ؟

ضوء كالوميض يداهم عينيها ، كلما عملت على فتحهما ، تشعر كأن الضوء مؤذياً ،فتعود وتغلقهما ثانية ، ولكن سمعت صوت كالهسيس يناديها ، كأنه ينادى من العالم الآخر ، ففكرت هل هى ماتت وما تسمعه من أصوات هى أصوات المشيعين لها ؟ ولكنها تشعر بيد توكز كتفها بلطف ، ففتحت عيناها تلك المرة ببطئ ، حتى إستطاعت روية ذلك الوجه المطل عليها من علياء

فخرج صوتها متعباً مثقلاً:
– أنا فين

أجابتها تلك المرأة الواقفة بجانبها والتى لم تكن سوى ممرضة بالمشفى ، قد أوكل لها الطبيب مهمة رعايتها حتى تفيق من تلك الغيبوبة التى دامت قرابة الشهر

– أنتى هنا فى المستشفى سمعانى كويس يا روح

حركت روح رأسها بضعف وهى تقول:
– أيوة سمعاكى هو إيه اللى حصل وحسين جوزى فين أنا اخر حاجة فكراها لما أتخانقنا

ساعدتها الممرضة بأن تعتدل قليلاً بجلستها بالفراش ،ووضعت الوسادة خلفها لتكسبها وضعاً أكثر راحة ، ناولتها كوب الماء الذى أشارت إليه ، فهى يبدو عليها أنها تشعر بالظمأ الشديد

بعد أن أنتهت من إرتشاف الماء ،أعادت عليها سؤالها ثانية :
– حسين جوزى فين

– مات
كلمة من ثلاثة حروف ،كانت كافية بجعلها أن ترى مصيرها الأسود الذى بإنتظارها بعدما تحققت مخاوفها ، ومات زوجها ، فكيف لها بالنجاة الآن ، فإنزلقت دموعها بغزارة على وجنتيها ، ولكن ما نفع الدموع والبكاء الآن ، وقد آلت أمورها للأسوء

غطت وجهها بيديها ، تجهش بالبكاء ، الذى لم يقطعه سوى صوت سمعته يقترب منها وهو يقول بنبرة صارمة:
– حمد الله على السلامة يا روح كويس أنك فوقتى علشان تحكيلنا بقى على اللى حصل

رفعت وجهها فوجدت الطبيب يرافقه رجل أخر ، لم تكن بحاجة لمزيد من الفطنة حتى تعلم أنه ضابط من لهجته الآمرة ، فمما لاشك فيه أن الحادث صار الآن قضية سينظر بأمرها رجال القانون

تقدم الطبيب أولاً يتفحصها ،فوجد كل شئ على ما يرام ، فهى تعافت الآن ، فطلب الضابط من الطبيب والممرضة أن يتركاه بمفرده معها ، فسارعا الاثنان لتلبية مطلبه

وضعت يديها قرب فمها وهى ترتجف ، وعيناها جاحظة وهى ترى الضابط يسحب مقعداً يصدر صريراً بجره له على الأرض ، كأن تلك هى الخطوة الأولى ، فى جعل الخوف والرهبة يستوطنا بداخلها ، لعله لا يبذل جهداً فى إستجوابها ، أو تراوغه بشأن الاسئلة التى بصدد سؤالها

أستند الضابط بأريحية لظهر المقعد ، فعقد ذراعيه يطالعها بهدوء فقال بشئ من الحزم:
– أنا بقى عايزك تحكيلى على كل حاجة حصلت بينك وبين جوزك فى اليوم اللى أتقتل فيه وكمان عايزك تحكيلى إيه اللى وصلكم لكده ، عايز كل حاجة بالتفصيل يا روح

شاعرة بإحتراق فى عينيها ، من كترة تدفق الدمع منها ، فهى لا تملك سوى أن تسرد له الحقيقة كاملة ومن البداية ، مسحت عيناها بظاهر يدها

فأزدردت لعابها قائلة بغصة :
– أنا هحكيلك كل حاجة من البداية يا بيه من ساعة ما كنت لسه فى بلدنا وخطبنى حسين وأتجوزنا

بدأت بسرد القصة منذ البداية ، فهى ترى مشاهدها حية أمام عيناها كأنها عاشتها الآن

فبوقت سابق وبإحدى محافظات مصر ، كانت تحيا روح بمنزل أبيها المؤلف من طابقين فسيحين ، وتعيش برفقة والديها وأشقاءها الثلاثة ، فتقدم لخطبتها حسين ، وما كان سوى جار لها بالمنزل المقابل ، فكان يعمل بالقاهرة ، ويأتى للبلدة بالعطلات لرؤية عائلته

لم تدم الخطبة سوى ثلاثة أشهر ، حتى أعلن حسين رغبته فى أن يتم الزواج وإقامة حفل الزفاف ، فوافقت العائلتين ، وأقيمت مراسم الاحتفال بزواج روح وحسين

– نورتى بيتك يا عروسة
هتف بها حسين وهو يفتح لها الباب يدعوها للدخول ، فبعد حفل الزفاف بيومان ، أخذها عائداً للقاهرة ، لتحيا معه بتلك الشقة الصغيرة ، التى إبتاعها من أجلهما ، قدر سماح مدخراته بشراءها

خطت بقدميها داخل الشقة ، تجول بنظرها فى أرجاء الصالة ، فالشقة نظيفة ومرتبة ، رغم عدم إحتواءها على آثاث كتير ، بل يوجد بها ما هو ضرورى فقط

إستدارت برأسها إليه وهى تقول بصوت منخفض :
– مش كنت قعدت فى شقتنا فى البلد على الأقل الشقة هناك كبيرة وجاهزة مش زى هنا الشقة صغيرة ويعتبر فاضية

أخذ يديها بين كفيه وهو يقول باسماً:
– كده أحسن تفضلى معايا هنا على طول بدل ما اشوفك يوم ولا يومين فى الأسبوع يا روح ولا أنتى مش عايزة يعنى

خجلت روح من بسمته الوضاءة ، فنكست رأسها وهى تقول بإستحياء :
– لاء طبعاً عايزة أفضل معاك على طول أنا بس قولتلك على اللى حاسة بيه مش أكتر بس طالما أنت عايز كده خلاص

مرت الأيام وحملت روح بطفلها الأول ، فبشتى الطرق الممكنة ، كان حسين يحاول توفير سبل الراحة لها ، وأن يعتنى بها وبجنينها ، حتى جاءها المخاض ووضعت مولود قررا أن يسمياه كريم ، فتوالت الأيام بعد ذلك حتى صار الصغير بعمر الخامسة

فبأحد الأيام عاد حسين من عمله مكدراً ومهموماً ، فلا تعلم ما أصابه ، فجلست بجانبه وربتت على ذراعه وهى تقول بإهتمام وتساؤل :
– مالك يا حسين فى إيه

مسح حسين وجهه بكفيه مغمغماً بشعور من الارهاق:
– المصنع اللى بشتغل فيه صفى العمال وخلاص طردونا من الشغل

دبت روح صدرها وقالت بفزع :
– يالهوى وليه كده وهتعمل ايه دلوقتى يا حسين

إستند حسين برأسه للجدار فقال وهو يغمض عينيه:
– إن شاء الله ربنا هيحلها من عنده وهلاقى شغل تانى متقلقيش أنا هقوم أغسل وشى وجهزى الأكل علشان جعان

بعد مرور شهر كامل من الضائقة المالية ، التى ألمت بهما ، عثر حسين على عمل أخر ، ولكنه لم يكن مربحاً كعمله الأول ، ولكن هذا أفضل من أن يعانى الفقر والحاجة

وضعت روح صينية المشروبات الساخنة ، التى أحتوت على كوبان من الشاى ، أعدته من أجلها وأجل جارتها ، الساكنة بالطابق الأعلى

ناولتها روح كوب الشاى قائلة بإبتسامة هادئة:
– خدى أشربى الشاى يا حبيبتى

تناولته منها جارتها ، وهى تبادلها الابتسام وتقول بإستفسار :
– ودلوقتى عايشة إزاى يا روح بعد اللى حصل مع جوزك

أخرجت روح نهدة حارة كانت عالقة بصدرها مدمدمة :
– أهو عايشين الحمد لله هنعمل إيه بس ربنا يفرجها من عنده

وضعت جارتها الكوب من يدها وهى تقول بإبتسامة ذات مغزى :
– طب واللى يحللك الموضوع ده ويخليكى تكسبى فلوس وانتى قاعدة فى البيت ومش هتعملى مجهود

قطبت روح حاجبيها من قولها ، فكيف ستحصل على النقود بدون تعب أو مشقة ، فتذكرت بعض الوظائف ،التى قرأت عنها على الإنترنت ، الخاصة بتسويق المنتجات من المنزل

– اه قصدك يعنى على مندوبين المبيعات من على النت والحاجات دى ، هى الحاجات دى بتكسب أصلاً ؟

نظرت الجارة حولها ، كأنها تتأكد من خلو أحد أخر بإمكانه سماعها وهى تقول بصوت خفيض :
– أنا مش قصدى على الشغلانة دى لاء قصدى تفتحى قناة فى اليوتيوب أو فيديوهات تيك توك وتعملى كأنك بتعملى روتين البيت اليومى ، بس بس تكونى شاطرة شوية وتعرفى تلمى مشاهدات ومتابعين وانتى هتكسبى دهب

أنتفضت روح بعد سماع قولها ، فهى فهمت مقصدها الآن:
– أنتى قصدك أن اطلع استعرض نفسى قدام الناس بهدوم ضيقة والقذارة اللى بشوفها فى نوعية الفيديوهات دى

قبل أن تثور ثانية جذبتها جارتها من ذراعها ، فجعلتها تعود لمكانها ثانية :
– أنتى مالك قومتى وقفتى زى اللى قرصك عقرب ليه كده إسمعى كلامى للأخر وانتى هتكسبى حلو قوى ، ثم لا حد هيعرف أنتى مين ولا مكانك فين ، هتبقى مغطية وشك ومش هيبان خالص ، وصدقينى مش هتلاحقى على الفلوس وأهو تساعدى جوزك ولو سألك جبتى الفلوس منين قوليله أنك بتشتغلى من البيت فى شركة منظفات ولا حاجة ، وأنا هشتغل معاكى والفلوس تبقى بالنص

حاولت جارتها بكل السبل والطرق الممكنة ، أن تجعلها توافق على ما أبدته من إقتراح ، فأعلنت روح رفضها القاطع لما قالته ، فهى لن تفعل ذلك

ولكن بعد مرور أسبوعين ، صعدت روح لشقة جارتها ، من أجل إخبارها بموافقتها التامة على ما اقترحته سابقاً ، وجاءت موافقتها فى إطار أن زوجها لم يعد يملك نقوداً كافية من أجلها وأجل صغيرها ، الذى ألمت به وعكة صحية ، إستلزمتها الحصول على المال من أجل فحص الطبيب له ورعايته حتى يتماثل للشفاء

إبتهجت الجارة بسماع قولها ، وبدأتا العمل على تلك القناة ، فتبادلتا أيام الترويج لمحتوى الفيديوهات المقززة ، والتى كانت تقتضى إرتداءهما ثياب سافرة وفاضحة ، مع بعض الأساليب الغير مهذبة على الإطلاق ، أثناء شرحهما لما تفعلانه ، من أجل الحفاظ على نظافة الشقة ، كأنهما أخترعتا شئ جديد ، وليس أن ما تفعلانه ، تفعله أى ربة منزل بكل سهولة واحترافية ، دون الحاجة لمشاهدة مقاطع الفيديو خاصتهما

صاحت جارتها بإبتسامة واسعة وهى تناولها حفنة من النقود :
– ده نصيبك أهو شوفتى الحكاية سهلة إزاى وأديكى كسبتى قرشين أشترى بيهم دهب ولا حاجة ولا أشترى حاجة فى الشقة بتاعتك اللى مفيهاش عفش دى

أخذت روح النقود من يدها وعيناها ملتمعتان ، فهى كانت تظن أن الأمر ، لن يكون مجدياً هكذا ، فهاهى تنظر للنقود بيدها

فبالمساء وبعد أن أنتهت من جلى أوانى الطعام الخاصة بطعام العشاء ونوم الصغير ، جلست روح بجانب زوجها ومدت يدها له بالنقود وهى تقول بإبتسامة وابتهاج واضح :
– حسين الفلوس دول اخدتهم النهاردة فأنا عيزاك تفتح بيهم دفتر توفير لكريم وكل اللى هاخده هحطهوله فى الدفتر علشان لما يكبر يلاقى قرش

وافق حسين على مطلبها ، فهو لم يساوره الشكوك حيالها ، إذ أخبرته أنها تعمل من المنزل لدى إحدى الشركات الخاصة بمواد النظافة

تعاقبت الأيام ومازالت روح منغمسة بضلالها ، بل تطور الأمر بأنها أصبحت تحادث الرجال على الهاتف ، ويرسلون لها الهدايا ، نظير رؤيتهم لها عبر الفيديوهات

تستلقى على شقها الأيسر بفراشها ، واضعة الهاتف على أذنها ، تضحك بدلال وهى تقول بميوعة :
– لاء بقى كفاية عليك كلام لحد كده زمان جوزى راجع من الشغل دلوقتى عايزة أقوم أحضرله الأكل

سمعت صوت ضحكة صاخبة على الطرف الآخر ، يعقبها نهدة حارة وذاك الرجل يقول بدهاء :
– طب ما تفتحيلى لايف أشوفك وأنتى بتعملى الأكل

ردت روح قائلة بتفكير :
–تدفع كام يا حبيبى

– اللى الجميل يؤمر بيه طلباتك كلها مجابة يا عيونى
قالها الرجل بحماس وإصرار ، فلم تتروى بما تفعله ، إذا وضعت غطاء وجهها المعتاد وأرتدت ثيابها الفاضحة وفتحت الهاتف ، ليشاهدها آثناء طهي الطعام ، وهى تتمايل على أنغام الموسيقى

سمعت صوت باب الشقة يفتح ويلج منه زوجها ، فأسرعت بغلق الهاتف ، وسحب غطاء وجهها ، وألقته بمكان بعيد عن عينى زوجها

ناداها زوجها بإلحاح :
– روح يا روح

خرجت من المطبخ وهى تقول بهدوء :
– فى إيه يا حسين بتنادى ليه الأكل هيتحرق على النار

جلس حسين على الأريكة وهو يتمطى بإرهاق :
– بناديلك علشان أديكى مصروف البيت بتاع الشهر

ناولها النقود وقلبتها بين يديها وهى تقول بتساؤل :
– إيه ده يا حسين الفلوس شوية ليه الشهر ده ، الحال ده مبقاش ينفع إحنا مصاريفنا كترت والدنيا غليت والأسعار ولعت

عقد حاجبيه قائلاً بغرابة:
– ماهى الفلوس هى هى بتاعة كل شهر أنتى اللى مبقاش عاجبك حاجة من ساعة ما القرش جرى فى إيدك يا روح

بدأت المشادة الكلامية بينهما ، والتى أنتهت بتفضيل حسين الإمتناع عن الحديث ،منعاً لتأزم الموقف أكثر ، فجلست هى بغيظ على المقعد ، فهى لم تعد تريد تلك الحياة ، التى يحصل بها على قوت يومه بالكاد ، ولا يكاد يكفيهم هم الثلاثة

حتى جاء ذلك اليوم الموعود ، إذا وجدت زوجها عائداً من عمله ، يملأه الغضب والاستياء العارم ، فملامح وجهه مظلمة ومكفهرة ، وعيناه تطلق شرار من فرط غضبه

فصرخ بإسمها منادياً :
– روووووووح

خرجت روح من غرفتها بفزع بعد سماع نداءه لها ، فأقتربت منه وهى تتفل داخل ثيابها:
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ، فى إيه يا حسين خضتنى ورعبتنى

رده على سؤالها ،كان صفعات متتالية على وجهها ، أو أى مكان تصل إليه يديه ، وهى تصرخ بملأ فاها ولا تعلم لما يفعل ذلك

قبض على شعرها يكاد يقتلعه وهو يقول كأن حمم بركانية ستخرج من فمه :
– كده يا زبالة تعملى كده إيه الفيديوهات اللى أنتى عملالها على النت دى كنتى بتستغفلينى يا روح وبتضحكى عليا ، طالعة كاشفة نفسك من غير حياء وتقوليلى بتكسبى من شركة منظفات

جفت الدماء بعروقها ، وأتسعت حدقتيها بفزع ، فكيف علم بالأمر ؟ فهى تعلم أنه لا يهوى تصفح الانترنت ، فهاتفه يقتصر إستخدامه على مهاتفه أصدقاءه وعائلته

فأزدردت لعابها قائلة بخوف شديد:
– هو أنت عرفت إزاى يا حسين

عاد ليكمل صفعه لها ثانية وهو يقول بغيظ :
– عرفت إزاى ! واحد صاحبى كان بيتفرج على فيديوهاتك وبيقولى شوف الست دى عاملة نفسها بتنضف شقتها وهى طالعة تستعرض نفسها علشان الفلوس ، أخدت التليفون فعرفتك على طول وعرفت شقتنا ، أنتى تعملى فيا كده ، وكنتى بتعملى إيه تانى من ورايا وصل بيكى الحال لإيه تانى يا روح خونتينى ولا لسه

عند الشق الأخير من حديثه ، غلت الدماء بعروقه ، فجرها معه للمطبخ بصعوبة ، فقدميها تحتك بالأرض من إحجامها عن السير خلفه ، فألتقط السكين الملقى على حوض غسيل الأوانى

رآت روح السكين بيده ، طار صوابها هى الأخرى ، فهو ينوى قتلها ، فأسرعت هى الأخرى بإلتقاط سكين أخر ، لعلها ترهبه ويبتعد عنها قبل إيذاءها ، فأستطاعت تخليص شعرها من يده وركضت للصالة ، فخرج خلفها وقد حسم أمره بقتلها

فرفعت السكين أمام عيناه وهى تقول بتحذير :
– أبعد عنى يا حسين أحسن أنا اللى هضربك بالسكينة

فأنهمرت دموعها وهى تقول بإستجداء :
– فى عرضك يا حسين بلاش علشان خاطر كريم إبننا

غمغم حسين وعيناه تكاد نظراتها تقتلها :
– عرضى ! هو أنتى خليتى ليا عرض ولا شرف يا روح

فهى لا تتذكر كيف بدأ الأمر ، فكل شئ أنتهى بلحظة فهو طعنها بالسكين بأحد جنبيها ، ولكن لم تكن الطعنة قوية ، كتلك التى طعنته إياها بمنتصف بطنه ،والتى خر صريعاً على آثرها مسجياً بدماءه ، فالصغير خرج من غرفته بعد سماع صوت صرخات بالخارج ، أدت إلى إفاقته من نومه

فرآى والديه ملقيان على الأرض والدماء حولهما ، فظل الصغير يصرخ عالياً ، فرؤيتها له كانت مشوشة من الألم الذى تشعر به ، لتجد نفسها بعد ذلك مغشياً عليها ، ولم تعد تسمع أو ترى شيئاً ، ولم تستيقظ إلا اليوم

عادت لأرض الواقع ، بعد إنتهاءها من سرد قصتها منذ البداية ، وحتى لحظتها تلك ، فكلما تتذكر أن زوجها فارق الحياة ، تعود وتبكى بإنهيار

فأنحنى الضابط بجزعه العلوى ، وأرتكز بمرفقيه على ركبتيه وهو يقول بصوت خالى من الشعور:
– يعنى علشان جريك ورا الفلوس ضيعتى نفسك وجوزك وإبنك يا روح ، خليتى شيطانك لعب بعقلك لحد ما خسرك حياتك ودنيتك ولسه كمان هتاخدى حسابك فى الأخرة

نهض الضابط عن المقعد وهو يكمل حديثه:
– أنتى بعد الدكتور ما هيصرح بأنك بقيتى كويسة ، لازم هتروحى السجن وتتحاكمى على اللى حصل

خرج الضابط من الغرفة ، بينما هى بدأت بلطم وجهها وتنتحب بصوت مسموع ، فما سيكون مصيرها ومصير صغيرها ، الذى سيصبح بلا أب أو أم

فلما هى أطاعت شيطانها من البداية ، فتركت خوفها من الله وقيمها وأخلاقها جانباً من أجل حفنة جنيهات ، فلم يعد يجدى الندم نفعاً

فباليوم الذى وقفت به داخل القفص الحديدى بالمحكمة ، من أجل محاكمتها على ما أقترفته يداها ، رآت أضواء الكاميرات ، التى يتصارع أصحابها فى إلتقاط صورها ، من أجل نشرها بالصحف والجرائد ومواقع التواصل الإجتماعي ، فستصبح حديث الساعة ، مثل تلك الجرائم التى كانت تسمع عنها من قتل الأزواج وما شابه

فشعرت بتهاوى قلبها بين ضلوعها وهى تسمع ذلك الرجل يقول بصوت جهورى :
– محكمة

لينهض جميع الجالسين ، فى إنتظار دخول القاضى ومستشاريه ، للبت فى الحكم بتلك القضية ، فساد الصمت ، وعاد الجميع للجلوس ، بينما هى دمعت عيناها وهى تنظر لصغيرها الجالس بجانب جدته ، وعيناه تنظر لها ببراءة ، كأنه يريد منها أن تشرح له لما هو هنا وهى تقف بداخل ذلك القفص الذى حال بينه وبينها

فلو لم تغلق عيناها عن رؤية نتائج أفعالها ، لما كانت هى هنا الآن ، بل ربما كانت ستكون برفقة زوجها وطفلها ، وتحيا راضية مطمئنة بكنف زوج ، كان يسعى لتقديم الأفضل لها قدر إستطاعته

فلا يحق لنا غلق أعيننا عن رؤية الأمور على حقيقتها ، فلا ندع الظواهر تخطف أبصارها بمظاهر زائفة وبراقة ، فالعاقبة بالأخير تكون وخيمة والخسائر فادحة

لاداعى لنا ولا حاجة لنتجاهل ديننا وقيمنا وأخلاقنا ، من أجل مُتع زائلة ، وأن نكون كمن سبقونا بالضلال وقالوا ” إنما سُكرتْ أبصارنا”

تمت بحمد الله
بقلم : ” سماح نجيب”
“سمسم “

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ