

رحلة مريم
بينما كنت أسير علي غير هدى نظراً لشعوري بالضيق لما يحدث حولي، وكان الجو حولي به بعض البرودة وصوت الرياح تحاوطني من جميع الاتجاهات، فجلست على إحدى المقاعد التي تكن في الشوارع، كي أجلس عليه حتى أصل إلي حل لتلك المشاكل التي تكاتفت عليه، وجدت تطاير الورق حولي حتى وجدت إحدى تلك الأوراق تأتي لي تحت قدمي، وما لفت انتباهي هو وجود كلمة رجاء في تلك الورقة.
جذبت تلك الورقة لأرى ما فيها من باب الفضول وجلس يقرأها بصوت منخفض وكان محتوى تلك الورقة هي:
” أعلم أنك لا تعلم من أنا ولكن ما أعلمه أن القدر، قد لعب لعبته كي تصل لك تلك الرسالة، فأنا أدعى مريم فتاة محبة للحياة والمرح، ولكن أعلم أن ما سوف أرويه عليك لا يحمل أي صفة للمرح ولا السعادة، فكنت أعمل في إحدى المصانع لتحقيق ذاتي، فكنت أستيقظ مبكراً لكي أستقل العربة الخاصة بالعمل، وأصل للمصنع أقم بارتداء الملابس الخاصة بالعمل، وأقم بمهامي وأتناول الطعام مع صديقاتي، في جو من الألفة.
وفي ذات يوم وجدت أحدى الأصدقاء، يحدثني بأنه يريد الإرتباط بي، فنظرت له بتعجب فهو لم يحدثني إلا في ذلك اليوم فقط، فأخبرني أنه كان يراقبني ويتابعني عن بعد، وأنه أعجب بي وبأسلوبي.
بالفعل تقدم لي ووافق أهلي عليه، وتم الخطبة في وسط تجمع عائلي، وكنت سعيدة بأن أخيراً قد زارتني السعادة، فهذا الشعور كنت أتمنى أن أشعر به من قبل، ولقد تحقق أخيراً بأن أشعر بتلك المشاعر.
هنا بدأت قصة حبي مع مراد عشقته بكل تفاصيله، كان دائماً أمامي أنظر له فأشعر بأن قد نسيت كل شيء، أصبحت لحياتي معنى بوجوده، تلهفت بأن أنهي كل تلك الفترة حتى أكن معه في ذات المنزل، وبالفعل عرضت عليه أن أساعده، كي ننهي ترتيبات الزواج بسرعة، فكنت عندما أحصل علي المرتب الخاص بي، أعطيه أياه كي أحضر منزلنا، وأذهب كل أسبوع مرتين إلي والدته المريضة، كي أنظف لها المنزل وأحضر لها الطعام، وأقم بشراء بعض احتياجاتها من مالي الخاص، لأنني أعتبرتها في مقام والدتي وهي قد أعتبرتني أبنه لها.
مرت مرحلة من حياتنا قد أوشكنا علي الإنتهاء من ترتيبات منزل الزوجية، وكانت السعادة تقترب لحظة بلحظة مني، وهذا ما كنت أظنه ولكن جاء اليوم الفاصل في حياتي، كانت السعادة تحاطني حتي وجدت ملامحه متغيرة، فسألته عن سبب التغير فأن كان بسبب الأموال، فسوف أحاول أن اساعده فلقد سبق وأن اقترضت أموال من المقربين، كي أعطيه إياها.
لكنه أخبرني بأنه يشعر نحوي بشعور غريب، شعور أخوي وليس أحباب، فإنه يشعر الآن اتجاهي بأني مثل أخته ولا يرى غير ذلك، فنظرت له بصدمة فأخبرني بأنه لا يريد أن يظلمني معه، وأنه علم بمكنون تلك المشاعر عندما تعرف على إحدى الفتيات وشعر نحوها بمشاعر حب إتجاهها.
هنا كانت صدمتي فبعد كل ذلك السنين، وإعطائه جميع ما لدي من أموال، بالإضافة إلي رعاية والدته أحصل علي تلك الكلمات منه، هنا نظرت له وأخبرته بأني موافقة علي البعد، ولكن كيف أحصل علي أموالي؟
هنا أخبرني بكل برود بأنه لم يطلب مني أي أموال، وكان ذلك تبرع مني له، كما أنه ليس لديه أموال، ويكفي حديث وأن أقطع علاقتي به، لأنه سوف يتزوج في خلال شهر، ولا يريد أن تشعر خطيبته بشيء، هنا نظرت له وشعرت بصدمة فكيف لي لا أرى ذلك الوجه من قبل.
تدخلت والدته لكي يرد لي أموالي ولكن دون جدوى، فكان قاسي علي حصل علي شيء لا يستحقه وحلله له، وعندما يئست تركت الأمر بيد الله، وانقطعت عني أخباره منذ تلك اللحظة.
شعرت بالقهر ومدى الظلم الذي وقع علي، وتركت المصنع واتجهت إلي أن أعمل بمؤهلي وأن أنسى كل ما مضى، وبدأت حياة أخرى كي أشعر بكياني، وبالفعل بدأت أشعر بوجودي ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
في يوم من الأيام بدأت أشعر بالقلق وفسرت ذلك علي مداومتي علي العمل ليل ونهار وكنت لا أعطي لذاتي مجال للراحة كي لا أتذكر شيء مما مضى، لكن أصبحت أشهر بالتعب بالاستمرار حتى أخبرتني صديقتي بأن أذهب للطبيب، كي أطمئن على ذاتي وبالفعل ذهبت إلى الطبيب، الذي طلب مني أن أقم ببعض الفحوصات وهنا كانت الصدمة.
لقد تمكن ذلك الملعون من جسدي، وأصبح يأكل في جسدي وخارت قواي و تساقط شعري، وأصبحت أشعر بالهزيان وأقم بالفحوصات باستمرار، كأن الدنيا كما أعطتني السعادة قامت بأخذها مني مع كل وخزة أخذها في جسدي، ولقد انتهت أموالي ولجأت إلى العلاج على نفقة الدولة، وقمت بالانتظار حتى يأتي الرد، كل ذلك وذلك اللعين يأكل في جسدي.
بينما كنت في المشفى حضر أحداً ما لزيارتي، وتفاجأت بأنه والدة خطيبي السابق، قد حضرت عندما وصل لها خبر مرضي، علي الرغم من سعادتي لزيارتها ولكن ما يحمله قلبي لابنها، جعلني أتذكر كل ما حدث كأنه شريط يمر من أمامي، فلقد حضرت كي تواسيني وتطلب مني أن أسامح أبنها عما فعله بي، لكن ما يحمله قلبي له بركان من النار، فهو السبب في كل ما توصلت إليه، وغادرت وهي على أمل أن أسامحه، فهل أسامحه كي ينعم بحياته، وأنا أشعر بكل ذلك الألم.
أصبحت أنا والآلام جزء لا يتجزأ، لا يستطيع أحدنا العيش من دون الآخر، أصبحت حياتي مغلقة علي الأدوية والمحاليل، فلقد رفض جسدي أن يستقبل شيء دون الأدوية، كأنه يخبرني بأنه غير قادر علي الصمود ويريد أن ينهار.
كنت أعلم بأنني أصبحت ضعيفة، لا أستطيع الصمود وسوف تأتي لحظة الإنهيار وبالفعل أعلم بأن تلك اللحظة قريبة، تحاملت علي ذاتي وقمت لأنظر من النافذة، لكي أحفظ معالم كل شيء حولي قبل أن أرحل، أردت كتابة كل ذلك في تلك الورقة لعل أحدهما يعلم قصتي ويدعو لي، فسوف أفتح النافذة الآن و أقذف تلك الورقة هنا توقف قليلاً لعنه شعر بشدة آلامها.
في ذات اللحظة كانت قد خارت قواها وسقطت على الأرض وتسارع الأطباء كي ينقذوها ولكن دون جدوى، فلقد صعدت روحها النقية إلي الأعلى، كي تنتهي رحلت آلامها.
كان مازال يقرأ الورقة وتوقف لحظات يمحو تلك الدموع التي أنهمرت من عينيه، وعاد ليكمل” أنني على يقين حينما تصل الورقة إلي يد أي فرد سوف أكون غادرت هذا العالم بالفعل، ولا يوجد لي وجود فهذه هي رحلتي، وقصتي، و آلامي التي لا تنتهي، فلتدعو لي أن أردت وأنهت كلامها ب هكذا رحلتي رحلة مريم”
نظر إلى الورقة وهو غير مصدق، هل يعقل أن هناك أحداً ما تألم كل ذلك الآلم، فما يشعر به الآن ليس نقطة في معاناة صاحبة القصة.
طوى الورقة وتركها في مهب الريح لعلها تقع في يد أحداً أخر يدعو لها، وعاد إلى منزله وهو بداخله بعض الرضا، فقد سبق وأن قام بالشد مع زوجته عندما علم بخبر حملها، وكيف سوف يصرف على ذلك الطفل، وجلب ما يحتاجه بسبب ضيق الحال؟
ولقد تعجبت زوجته من عودته فلقد رحل على حال وعاد على حال آخر، فقامت بأعداد كوب شاي ساخن، كي يشعر بالدفئ نوعاً ما، وأخبرته بأنها لم تقصد أن تشعره بالحزن، فلقد أراد الله أن يهبهم طفلاً، ولا يحمل هم فسوف يراضيهم الله من أجله، نظر لها وأخبرها بأنه بخير وأنه سعيد بذلك الخبر، ولكنه يتمنى أن يمن الله عليه بطفلة كي يسميها مريم.
أضف تعليق