جريمة غشيتها رحمة للكاتبة أحلام غنيمات قصة قصيرة

جريمة غَشِيّتها رحمة


كنت أسير في ساعات الصباح الباكر مُهرولًا في الطريق أُسرع في خطواتي؛ حتىٰ أتمكن من اللحاق بحافلة الشركة التي تُقلني إلىٰ العمل، إلا أنني سمعت صوت صرخة طفلٍ أفزعتني، وجعلت مني أتوقف عن المواصلة في المسير، في تلك اللحظة نظرت حولي أبحث عن مصدر الصوت، لأرىٰ خيالًا لرجلٍ يولي هاربًا لا أعلم سببًا لجزعه بهذا الشكل، حينها أخذت قدماي تقترب من المكان الذي رأيته يخرج منه خلف ذاك الحائط، وحين وصلت وقع بصري علىٰ مشهدٍ يُدمي القلب من شدة قسوته، طفلان رضيعان حديثا الولادة أحدهما ذُبح دون رأفة، وكأن الصرخة التي سمعتها وزلزلتني كانت صرخة استنجاده؛ حتىٰ ألحق بأخيه قبل أن يُكمل الجاني جريمته ويقوم بتكرار الفعل الذي ما قام به معه لكن هذه المرة مع شقيقه، والآخر ما زال سليمًا معافىٰ ويتحرك بعشوائيةٍ كمن في عمره، ويبدو بأنه نجا مما لحق بأخيه لأن القاتل استمع إلىٰ صوت خطواتي المهرولة، اقتربت منهما بعد أن تناولت إحدىٰ أوراق الصحف المرمية علىٰ الأرض ووضعتها علىٰ الطفل المذبوح أغطيه، وأُبعد هذا المنظر عن عيني حتىٰ أستطيع المواصلة والقيام بما عليَّ أن أقوم به، ثم تناولت الآخر ووضعته بين ذراعايَّ التي أخذت كلتاهما بالارتجاف، رهبةً مما رأيت وتوقًا لأن تحتضن رضيعًا لطالما رجوت اللّٰه أن يرزقني إياه، إلا أن اللّٰه لم يشأ لي أن أحضىٰ بهذه اللحظة، ضممته إلىٰ صدري ودمعت عيناي حزنًا لما آل إليه وضع هذان الطفلان الذي فارق أحدهما الآخر ويبدو بأنهما توأمان، لا أعلم الهدف مما فعله الجاني بهما إلا أن عليَّ الآن أن أقوم بما يجب، لذا أخرجت هاتفي من جيبي وطلبت رقم رجال الشرطة وأخبرتهم بما وجدت.

بعد بضعٍ من وقت وأنا أجلس في مكاني، تتسابق الدموع علىٰ خدي وكأنني امرأةً مكلومة في فلذة كبدها لا رجلًا تخطت سنوات عمره العقد الثالث وبدأ في عقده الرابع، سمعت صوت عربات الشرطة ترافقها عربة الإسعاف، فنفضت عني ضعفي الذي لحق بي للمرة الأولىٰ، تحركت من مكاني حتىٰ أُعلمهم مكان الحادث وأُرِيَّهم مكان الجريمة، التي قام بها شخصٌ خلت من قلبه وروحه الرحمة، جاء مجموعةٌ من رجال الأمن وأخذوا يبحثون في ما حول المكان، والبقية يحاولون التقصي مني عن كيفية عثوري علىٰ مكان الجريمة وكيف حدّث الأمر، أخذت أسرد عليهم ما حدّث بالتفصيل، وبينما أنا أخبرهم اقترب مني أحد الرجال المسعفين يود أن ينتزع من بين يدايّ الطفل، بعدما فرغ من أخيه الذي تأكد من مفارقته الحياة، إلا أنني أبيت أن أُعطيه إياه مما استوجب علىٰ الضابط أن يأمره بأن يقوم بفعل اللازم وأنا أحمله بين ذراعاي، انتهىٰ المسعف من فحصه وأخبرني أنا والضابط بأنه سليمٌ معافىٰ لا يشكو من شيء، في تلك اللحظة أمر الضابط بأن أذهب معهم حتىٰ يستكمل التحقيق، خصوصًا بأن هذه الواقعة ليست بالهينة لأنها جريمة قتل، رُبما كانت مبنيةً علىٰ جريمة خطف سبقتها، أو رُبما كانت محاولةً لإخفاء جريمة أخرىٰ أعظم وتُعدُ من الكبائر، لا أحد منا يعلم ما الحقيقة وراء هذا الأمر.

رافقتهم إلىٰ مقر الشرطة والطفل لا يُفارقني، فقد رفضت أن يأخذه مني أحد وكأن روحي تعلقت في روحه، وهناك تم إعادة التحقيق معي علىٰ أيدي ضباط مختلفون، منهم من كان يوجه لي الاتهامات وكأنني الجاني، والآخر يتعاطف معي لما رآه مني من اهتمامٍ وتعلقٍ في الطفل، مضت الساعة الأولىٰ تتبعها الثانية، وأنا علىٰ نفس الوضع لا أعلم ما سيحدث معي، هل سأصبح القاتل؟! من جراء عثوري علىٰ هذه الواقعة فقط، أم سأخرج منها أحمل بين يدي طفلًا سأسعىٰ للحصول عليه، بعد أن منع الله عني الخير حتىٰ هذه اللحظة؛ لأكون رحيمًا فيمن وجدت ويرزقني إياه حتىٰ لو لم يكن من صلبي، أخرجني مما أنا فيه من فكر حركة الطفل، الذي بدأ في التململ يتبعها البكاء يعلن لي وللجميع مدىٰ جوعه، عندها تحرك لساني الصامت منذ بعض الوقت، وطلبت ممن هم يتجمهرون من حولي جلب بعض الطعام للصغير فهو يحتاجه، تحرك أحدهم ثم عاد بعد دقائق يحمل بين يديه كيسًا يحوي حاجياتٍ للطفل، أخذتها منه شاكرًا وحاولت إطعام هذا الذي أحمله أخشىٰ عليه وكأنه قطعةٌ مني.

مضىٰ اليوم وأنا بين تحقيقاتٍ يتبعها أخرىٰ، مع محاولة الضباط أيضًا العثور علىٰ أي بلاغٍ عن فقد توأم، أو أي خيطٍ يمكنهم من العثور علىٰ أهلٍ له، كما أنه تم إبلاغ الجهات المختصة ودور الرعاية بهذا الوافد الجديد، حينها انتفضت أنا أرجو الضابط الذي شعرت منه تعاطفًا معي، أن يساعدني لأُبقيه معي ويصبح فردًا من عائلتي التي لطالما انتظرناه أنا وزوجتي، إلا أنه أخبرني بأنه يجب عليَّ أن أُسلم الطفل أولًا؛ حتىٰ أتمكن من أخذه فيما بعد بأوراق سليمة تجعل مني حاضنًا له، في تلك اللحظة دخل علينا أحد العساكر، يُبلغ الضابط عن بلاغٍ آتٍ من مشفىٰ في محافظةٍ أخرىٰ، تم فيها اختطاف توأم من الذكور من قبل والدهم، فتوجه الضابط من فوره إلىٰ المشفىٰ ليتأكد من البلاغ ويعلم ملابسات الموضوع، إلا أنه قبل أن يغادر اقترب مني طالبًا أن أُعدِل من وضعية الصغير؛ حتىٰ يتمكن من أخذ صورةٍ له يعرضها علىٰ عائلة التوأم المفقود وصاحبة البلاغ التي ما كانت سوىٰ الوالدة، وقتها بدأت أدعو أن تكون صاحبة البلاغ والدة من يقبع في أحضاني، الذي أشعر بالحنان تجاهه لكنني وزوجتي مهما بلغ منا الحب والعطف لن نهبه حنان وعطف والدته، جلست أنتظر عودة الضابط وأنا أدعو حتىٰ هلَّ عليَّ وجهه، بعد أن عادَّ يُعلن بأن هذا الصغير ليس أحد أطفال صاحبة البلاغ، وقتها تنهدت وعلت بسمةٌ علىٰ شفتاي وكأنني كنت سأفقد طفلي بكلمةٍ واحدة، رغم أنني وددت لو كانت عائلته الحقيقية، إلا أنني فَرِحٌ لأنه ما يزال بين يداي وأحضاني يُشعرها بالدفئ.

منذ البداية وأنا أتسائل، كيف لأحدٍ أن يفعل بِرُضع ما قام به هذا المجرم؟! كهذا الفعل الشنيع، وماذا فعل له أطفال لا يدركون من الحياة شيئًا؟ ما الدافع لجرمٍ معظم كالذي ارتكبه بحق هذه البراءة، كي ينتزعهم من حضن والدتهم الدافئ ويذبح أحدهم ويُخلِفَ الآخر هاربًا من كشف جرمه، في تلك اللحظة عرف الضابط من خلال التحريات التي أجراها حولي أنا، أنني رجلٌ مستقيم وتحركاتي عبارة عن الذهاب إلىٰ العمل والعودة منه، وعلم أيضًا بأنني متزوجٌ من ست سنوات ولم يرزقني الله بأطفال بعد، لذا عرف وقتها سر تعلقي بالصغير وحناني عليه وعدم تركي إياه، لذا استبعد جميعهم بأنني من الممكن أن أذبح طفلًا أو أُسِئ لهم، لذا سمحوا لي بمغادرة المكان من بعد ما أتيت له شاهدًا، ودارت من بعدها أصابع الاتهام حولي، إلىٰ أن كشف الله عني هذا الضرر الذي كادَّ أن يُصيبني، لكن الآن! كيف لي أن أغادر؟ وأترك هذا الصغير وحيدًا من بعدي، لذا ما كان عليّ في ذاك الوقت إلا أن اقتربت من الضابط، في نفس التوقيت الذي فُتح فيه الباب مُعلنًا عن حضور أحد مسؤولي دار الرعاية؛ حتىٰ يتسلم الطفل إلىٰ أن تظهر عائلته أو يُصبح فردًا من الدار، يمكن لهم في ذلك الوقت عرضه علىٰ أحد العائلات التي تود احتضانه، علم الضابط وقتها ما أريد دون أن أقول فقط أبصر كل ما حدّث أمام عينيه، لذا أوصىٰ المسؤول بأنه إن لم يظهر أحدٌ من عائلة الطفل، أن لا يعرضه للاحتضان لأن الحاضن موجود وأشار بيده إليّ، في تلك الدقيقة كان لِزامًا عليّ أن أدع الصغير يُغادر حضني وذراعاي، علىٰ أملٍ قريب أن يعود إليها فيلقىٰ ما حـرمه إياه مجرم من حضن والدةٍ وأب انتقامًا، أو رُبما مجرمون قاموا بفاحشةٍ في لحظة انتشاء، ليتخلصوا من دليلٍ يقين يُشير إلىٰ تلك اللحظة بفضيحةٍ ما أرادوها فتخلصوا من أثرها.



تمت

بقلم أحلام غنيمات

أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ