

قصة قصيرة سراب بقلم /أمل إسماعيل
أجتمعنا جميعًا في منزل جدتي، أنا وأبي وأمي، حَضر أيضًا عمي وزوجته وأبنته، أعدت لنا جدتي الذ وأطيب الأطعمة، جلسنا حول طاولة الطعام نتناوله ونتبادل أطراف الحديث عن الماضي وذكرياته الجميلة، قصوا علينا مواقف طريفة عن طفولتنا جعلت الحاضرين ينفجروا ضحكًا، شاركتهم أبنت عمي الحديث وقصت موقف مضحك حدث معها وهي صغيرة عندما أسطحبها والدها لحديقة الحيوان وقام القرد بسرقة قبعتها.
أردت أن أشاركهم الحديث، أخبرتهم بأحد المواقف المضحكة التي حدث لي وأنا في المرحلة الأبتدائيه، أخبرتنا المعلمة بأن نمزج كوب حليب ببيضة نيه ونشربه هذا المشروب سيعطينا طاقة كبيرة، فعلت ما قالته المعلمة بالرغم من تحذيرات والدتي أنني لن أستطيع تناوله، لكني أصريت على موقفي، بعد أن صنعت المشروب لم أستطع تناوله بسبب شكلة ورائحته، أصرت والدتي على تناوله لأني لم استمع لتحذيرها، جاء والدي وأخبرني انني يجب أن أتحمل نتيجة أفعالي، لكن بما أنني مازلت صغيرة وهوا والدي سيتحمل النتيجة بدلاً عني، ثم حمل الكوب وشربه.
أنهيت حديثي وأنا أنفجر من الضحك، توقفت عن الضحك عندما اعترضت أبنت عمي علي حديثي وقالت أن هذه ذكرياتها هى وأن هذا الموقف حدث لها ولوالديها، وأنني لا أمتلك أي ذكريات مع والداي لأنهما انفصلا عندما بلغت سنه من عمري واهتمت جدتي بي
لم أصدق ما قالت، نظرت للجميع ليخبروها ان تتوقف عن الكذب لكني وجدتهم ينظرون لي بحزن وشفقة، ذهبت إلى والداي لأطلب منهم ان يخبروا الجميع أنهم كاذبون وأنا الصادقه، وقفت بينهما أمسكت يد أبي بيدي اليسرى وأمي باليمني، نظرت إلى أبي وصدمت عندما وجدت في عينيه نظرة الحزن والشفقة ذاتها، أدرت نظري إلى والدتي أخر أمل لنجدتي وياليتني لم أنظر، لم تكن أمي كانت أمرائه أخرى، تركت يدهم وتراجعت للخلف والخوف يجتاح قلبي، أبحث بعيني عن والدتي أين ذهبت! ؟ لقد كانت هنا مُنذ قليل ومن تلك ألمرآه الجالسه بجوار والدي!؟
قفزت للأمام بفزع بسبب تلك اليد التي وضعت على كتفي، أدرت رائسي لأرى لمن تلك اليد، إذ بها جدتي تنظر لي بحنان وتخبرني أنها من قامت بتربيتي بعد انفصال والداي وزواج كل منهنا بأخر، أشارت بيدها إلى أحدى الغرف وقالت أن هذه غرفتي وأنني أسكن معها، لم أستوعب ماتقوله كانت صدمة كبيرة لي، قصصت لهم العديد من المواقف التي حدثت لي مع والداي لأجعلهم يصدقوني، لكن ابنت عمي حطمتني لقطع متناثرة عندما أخبرتني أن هذه المواقف جزء من طفولتها هي حدث معها ومع والديها، وأنها من أخبرتني بتلك المواقف، إن كانت صادقة إذا إين أين ذكرياتي أنا؟! وكيف كانت طفولتي؟
ضمتني جدتي لتخفف من ألآمي وهي تخبرني بالحقيقة المُره التي أرفض تصديقها، وهي أنني لم احظي بأي ذكرى معهم، والدتي تزوجت ولم تسأل عني قط، ووالدي أيضًا تزوج وانشغل بزوجته ونسى أمري لهذا السبب أنشأت جدتي هذا الأجتماع العائلي كل شهر، كي يتسنى لي روئيت أحد والداي على الاقل.
أستمعت لحديثها بعيون ممطرة تذرف السيول لتسقط على قلبي لتحطمه وتجعله يذرف الدماء، إذاً أنا شخص غير مرغوب به، تخلى عنه أكثر شخيصين يجب أن يهتما به، لماذا انجباني إن كانا ينويان نبذي والتخلي عني!؟
أنا الأن منبوذة والأسوء من هذا؛ ليس لي ماضي كل ذكرياتي سراب ليست لي بل لشخص آخر، أنسحبت وركضت إلى غرفتي أحاول الأختباء من نظرات الشفقة التي في أعينهم، أنا لا أريد شفقة من أحد
جلست على الأرض احتضن قدماي بزراعي وأدفن وجهي بينهم، أحاول تذكر ذكرياتي الحقيقية، إن كانت تلك الذكريات التي املكها مزيفة إذاً أين هي الحقيقية؟ تسلل لعقلي سؤال جعلني أنتفض رعبًا “هل أنا شخص حقيقي أم مزيف مثل ذكرياتي؟” نهضت والفزع يجتاح ثنايا قلبي، وقفت أمام المرئاه لأرى انعكاس صورتي بها إن ظهرت سأكون حقيقية، أما أن لم تظهر سأكون مجرد سراب
وقفت أمام المرئاه لأنهي حيرتي، لكنها زادت عندما رائيت انعكاس صورتي، كان الأنعكاس لرجل يبدوا من هيئته والشيب الذي في رائسه والتجاعيد حول فمه أنه قد بلغ الخمسين، إذاً أنا رجل ولست فتاة شابه في سن المراهقة؟!
بدائت اتفحص وجهي بيدي لأتأكد مما أرى، بدائت بشعري لم أجد شعر أشيب بل وجد جديلتين بهما شريطتين وغره، بالرغم من توالي الصدمات وعدم إستعاب عقلي لما يحدث، لكني أكملت تفحص وجهي الذي كان يبدوا من ملمسه انه لطفله صغيره لم تكمل الأربع سنوات بعد، انتهيت من وجهي وبدائت اتفحص جسدي أول ما لفت انتباهي هوا ملمس الملابس يبدوا مثل ثوب فتيات صغيرات، كان مزركش وبه بعض الثنيات، أنزلت رائسي للأسفل لأتفحصه وأرى ماذا ارتدي، وجدته ثوب احمر قصير به دوائر بيضاء وبه ثنيات من الأسفل
شعرت بشيء في يدي اليمنى، رفعتها أمام عيناي لأجدني أحملَ دمية دُب برتقالي بيدي، عاودت النظر للمرئاه لأرى ان كانت الصورة قد تغيرت لكنها لم تتغير، نظرت لها بشرود أشعر أنها مئلوفة لدي، قاطع شرودي صوت قادم من الجه اليمني لأمرائه تنادي على طفلتها، بدا صوتها مألوف نظرت لها لأرى من تكون وكيف دخلت غرفتي، إذ بي أرى أمي تقف خلف باب تنظر لي بأعين باردة خاليه من المشاعر تنادي علي وتقول بعدم مبالاه
_ صغيرتي أعتذر عن تركي لك لكن زوجي لم يوافق على روئيتي لك، وانا لم أرغب بتدمير منزلي مرتين
بعد أن أنهت كلامها خرج الرجل من المرئاه، دخل من الباب التي كانت تقف خلفه أمي ثم رمقني بغضب وأغلق الباب في وجهي واختفي الباب واختفت أمي معه، شعرت بشيء دافي يسير على وجهي، تحسسته بيدي لأكتشف أنها دموعي التي تنهمر بغزاره، شعرت بالبرد والجليد يحاوطان قلبي، أنني وحيدة وغير مهمة، شعرت بالجليد يخرج من قلبي ويجمدني تدريجيًا من الداخل، حاولت الصراخ ليأتي أحد وينجدني من هذا الألم لكن دون فائدة فقد تجمت تماماً وعجزت عن الصراخ، بعد قليل شعرت بسماكت الجليد تضعف وتتشقق ويتسلل لي بعض الدفئ من خلال تلك الشقوق الذي سرعان ما حطم الجليد وجعله يتناثر من حولي وهوا يبرق ليبدوا كنجوم تسبح من حولي، ليقترب مصدر الدفئ أكثر ويحاوط جسدي الصغير، أخفضت رائسي مزامنة مع تفحص يدي لمصدر الدفئ لأجده يد ترتسم عليها علامات الزمن نظرت للخلف لأرى يد من تلك، أول مارائيت كان وجه جدتي الضاحك تخبرني أنها هنا لأجلي لن تتركني أو تتخلى عني
بدائت أتذكرت كل شيء عن ذكرياتي الحقيقية، أنفصل والداي وانا في السنه الأولى من عمري، تزوج أبي بأمرائه أخرى جميلة ونسى أمري ولم يأتي لزيارتي إلا يوم واحد في الشهر بسبب جدتي، أما والدتي فقد تزوجت برجل كبير في السن لأجل ماله ولم تأتي لزيارتي يومًا، لكن عندما كنت في الرابعة من العمر لاحظت عدم وجودها وسألت جدتي عنها وطلبت رؤيتها، إستجابت جدتي لطلبي وأخذتني إليها، ظل عقلي شارد طوال الطريق بشكل والدتي وبتلك الضمه الكبيرة والقبله التي ستعطيتي إياهم عند رؤيتي، لكنها رفضت أستقبالي في منزلها ورفضت أن تضمني إلى صدرها كما تفعل زوجت عمي مع أبنتها حتى القبلة لم أحصل عليها، وما زاد الأمر سوءا هوا إغلاق زوجها الباب في وجهي
كانت جدتي معي تواسيني وتخبرني انها ترغب بي وتحبني، لكن ذلك لم يكن كافي لي، أردت أن أعيش مع والداي مثل ابنت عمي، أن أذهب معهما للملاهي وحديقة الحيوان، أن أشعر بحنانهم وأحصل على الكثير من الذكريات معهم، كان الألم والحزن والرغبة في العيش مع والداي أكبر من أن أتحملهما، لهذا عندما كانت تخبرني أبنت عمي بالمواقف التي تحدث معها كنت أتخيل أنني أعيش تلك المواقف مع والداي، كان الخيال جميل للغاية وممتع لدرجه جعلتني أنسى الواقع وأصدقه.
أضف تعليق